أعيش أقل لكن بصدق أكثر

 

 

 

سلطان بن محمد القاسمي

دخلت الاجتماع متأخرًا بدقائق. لم يكن التأخير مقصودًا، لكنه أيضًا لم يكن مزعجًا لي كما كان يحدث سابقًا. جلست في المكان المتاح، وضعت الهاتف أمامي، واستندت قليلًا إلى الكرسي. الأصوات كانت كثيرة، والآراء أكثر، وكل شخص يتحدث وكأن ما يقوله لا يحتمل التأجيل.

في البداية، حاولت المتابعة. أومأت، سجلت ملاحظة، رفعت رأسي أكثر من مرة. ثم لاحظت شيئًا بسيطًا: لا شيء مما يُقال يحتاجني فعلًا. ليس لأن الكلام غير مهم، بل لأن وجودي أو غيابي لن يغيّر مسار الحديث. هذه الفكرة لم تكن صادمة، لكنها كانت واضحة على نحو مريح.

لأول مرة، لم أشعر بالحاجة لأن أُثبت أنني حاضر. لم أبحث عن اللحظة المناسبة للتدخل، ولم أرتّب جملة ذكية في رأسي. تركت الاجتماع يمضي كما يمضي، وتركت نفسي خارجه قليلًا، وأنا ما زلت في مكاني.

بعدها بأيام، تكرر الإحساس في مواقف أخرى. مكالمة طويلة بلا ضرورة، نقاش لا نهاية له، موعد أذهب إليه فقط لأنني اعتدت الذهاب. في كل مرة، كنت ألاحظ العلامة نفسها: ثقل خفيف في الصدر، ليس ضيقًا، بل تنبيهًا. هذا لا يلزمك الآن.

لم أتعلم هذا فجأة، ولم أصل إليه بعد تجربة قاسية. كل ما في الأمر أنني بدأت أُصغي لما يحدث في جسدي قبل رأسي. متى أتوتر؟ متى أملّ؟ متى أبدأ بالغياب وأنا ما زلت حاضرًا جسديًا؟ هذه الأسئلة لم تكن فلسفية، كانت عملية جدًا.

شيئًا فشيئًا، صرت أغادر بعض الأماكن مبكرًا، وأُنهي بعض المكالمات باحترام، وأؤجل بعض الردود دون شعور بالذنب. لم أشرح كثيرًا، ولم أختلق أعذارًا. اكتفيت بجملة واحدة في معظم الأحيان: "خلّينا نكمل لاحقًا".

المُثير أن أحدًا لم يعترض. الحياة لم تتعطل، والعلاقات لم تنهَر، والفرص لم تضِع كما كنت أتوقع. وحده رأسي أصبح أخفّ.

اكتشفتُ أنني كنت أخلط بين الالتزام والاستنزاف، وبين الحضور والضغط على النفس. كنت أظن أن عليّ أن أكون متفاعلًا طوال الوقت، جاهزًا، متيقظًا، ومتاحًا. ولم أسأل نفسي يومًا: متاح لمن؟ وعلى حساب ماذا؟

لم يكن اكتشافي الأكبر أنني أستنزف نفسي، بل أن هذا الاستنزاف كان يبدو محترمًا من الخارج. انشغال دائم، حضور مستمر، جاهزية لا تنقطع. كل شيء كان يُصنّف باعتباره اجتهادًا، بينما لم يكن في جوهره سوى خوفٍ هادئ من أن أبدو أقل أهمية إن توقفت قليلًا. لم أكن أُرهق نفسي لأن المطلوب كبير، بل لأنني لم أتعلم متى أقول: يكفي.

وهنا تحديدًا اتّضح لي المعنى الذي لم أكن أراه: أن أخطر ما في الإرهاق ليس التعب نفسه، بل اعتيادُه. أن تصبح مشغولًا إلى درجة لا تلاحظ معها أنك غائب عن نفسك، وأن تمضي أيامك بكفاءة عالية وروح منخفضة، وتظن أن هذا هو الثمن الطبيعي للحياة. وحين فهمت ذلك، لم أحتج إلى ثورة داخلية، احتجت فقط إلى شجاعة صغيرة، أن أعيش أقل، لكن بصدق أكثر.

اليوم، لا أبحث عن عزلة، ولا أهرب من الناس، لكنني لم أعد أضع نفسي في كل مشهد؛ فبعض الأمور يمكن أن تسير دوني، وبعض النقاشات لا تحتاج رأيي، وبعض الأيام لا تطلب أكثر من أن تمرّ بسلام.

هذا التغيير لم يجعلني أفضل، لكنه جعلني أصدق. صرت أعيش وفق قدرتي الفعلية، لا وفق الصورة التي اعتدت الدفاع عنها. وإن كان في هذا شيء من الانسحاب، فهو انسحاب واعٍ، لا هروب.

أعرف الآن أن حضوري الحقيقي لا يُقاس بعدد المرات التي تكلّمت فيها، ولا بعدد الأماكن التي ظهرت فيها، بل بمدى انسجامي مع نفسي حين أكون موجودًا، وحين أختار ألا أكون؛ فأنا لم أتراجع عن الحياة، أنا فقط توقّفت عن استهلاك نفسي فيها.

الأكثر قراءة

z